التخطي إلى المحتوى الرئيسي

 

                                                 

سلسلة قصصية (1)


                                               الوقت والفراغ في حوار أبوي


* عن السلسلة:

هذه مجموعة قصص قصيرة كتبتها منذ وقت طويل، في أوقات متباعدة، وفي ظروف مختلفة، وفي بلدان ومدن متعددة، ولم أنشر إلا إحداها، والمعنونة بـ "من أرض البرتقال الحزين إلى البوسنة والهرسك"[وهي القصة الثانية]، واليوم أنشرها مع مجموعة أخرى، والذي يجمع بينها جميعها أنها كانت تعبيرًا عن مشاعر وأحاسيس ملأت عليَّ نفسي وقلبي ومشاعري في تلك اللحظات؛ فكانت تلك القصص، ولم أكن في يوم من الأيام أتصور أن أكتب القصص القصيرة ولا الطويلة.


                         ********************************************


                                   القصة الأولى: الوقت والفراغ في حوار أبوي




في هدأة السحر، والليل قد أدبر، وبعد أداء صلاة الفجر في المسجد الجامع المجاور لبيتنا،... دلفت بهدوء إلى غرفتي، وجلست إلى المكتب، وهممت بأن أمسك بأحد الكتب المنَضَّدة أمامي..، تنتظر مني أن ألتفت إليها، أن أقلبها..، أقرأها، إنها تنتظر بصبر كاد ينفد ،وقبل أن أفعل ما هممتُ به، كان ولداي الفَتَيان قد وصلا إليَّ بعد أن صلَّيــا معي،  ووقفا إلى جانبيَّ ، أولهما عن يميني ، والآخر عن شمالي... وبادراني بالكلام بعد السلام..

-         قال جهاد الأكبر: يا أبت إن لدينا مشكلة تهمُّنـا، وتشغلنا هذه الأيام كثيرًا.

-         وتابع عماد الدين حديث أخيه: نعم أبتـاه! ونريد أن تساعدنا في حلِّها..!

وسرعان ما تواردت خواطر كثيرة إلى ذهني...؟ تصورات واحتمالات كثيرة لمشاكل يتعرض لها الفتى في دراسته؟! ،مع زملائه ، مع أصحابه ومدرسيه، قد تكون في المسجد ، قد تكون في الشارع....وخفق قلبي بدقَّات مرتعشة، خشية أن يكون قد أصابهما مكروه من أحد...؟

فسارعت إلى سؤالهما متلهفًا!:خير إن شاء الله؟؟ ما هذه المشكلة؟؟ وما الذي تشكوان منه؟!

فأجابا على الفور وبصوت واحد:  إي والله! بصوت واحــد! وكأنهما متفقان على التنسيق بينهما في الرد:

-         الوقت يا أبت!!!

-         الوقت؟؟ ما الوقت؟ وما مشكلتكما معه؟

-         قال أحدهما: إن الوقت يمر بنا يا أبي، يمرُّ بنا بسرعة مذهلة!! دون أن ندري! ولا نكاد نمسك به، من المدرسة إلى البيت..، إلى المسجد والمكتبة..، بين الدرس والمطالعة، والصلاة وحفظ القرآن..، لا نحس بالوقت بل نحس بقصره..!!!

وينتقل الحديث إلى الحبيب الذي على يميني: إنني أخطط لأعمال كثيرة، ومطالعات متنوعة لكل يوم قابل، وأسأل خالقي – عز و جل- أن يهيئ لي من أمري رشدًا ، ويمر اليوم التالي دون أن أحقق إلا اليسير مما عزمت عليه، وخططت له!

-         من خلال تجربتك يا أبي – وقد انتقل الحديث إلى الحبيب الذي على يساري-

هل سيكون الوقت عندما نكبر أكثر مواتاة لنا لنحقق أكثر؟!

قلت لهما -وقد همَّ الآخر أن يعود إلى حديثه-: بارك الله فيكما يا ولديَّ! وبارك لكما في وقتكما.. وأذكركما بقول نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم-:(اغتنم خمسًا قبل خمس: وعدَّ منها :فراغك قبل شغلك ،وشبابك قبل هرمك).

هذا وقت الغنيمة يا حبيبيَّ؛ فعندما تكبران ستكثر مشاغلكما ومسؤولياتكما، وبالتالي ستحسَّان بقصر الوقت أكثر وأكثر.

إنني آسى على اليوم على كل لحظة ضاعت من حياتي في طفولتي وفتوتي، ولم أستفد منها علمًا، والآن أحول أن أعوض... ولكن قليلاً ما أقدر، فها أنتما تأخذان بعض وقتي! كنت أخصصه لقراءة في كتاب أو تلاوة من الذكر الحكيم، وذلك كله خير إن شاء الله.

-         طيِّب طيِّب ... لن نشغلك أكثر من هذا ،ولكن كيف نسمع عن مشكلة ( أوقات الفراغ) التي يعاني منها الشباب بخاصة، وتتحدث أجهزة الإعلام المختلفة عنها، ويهتم الباحثون التربيون، والمصلحون الاجتماعيون، ويحاولون – جميعهم - وضع الحلول لقتل الفراغ كما يقول بعضهم- أو لشغله!  سبحان الله!!!أين الفراغ؟ أليست أعمال المؤمن وتكاليفه أكثر بكثير من وقته؟؟

-         وتلفَتُّ إليهما يمنة ويسرة ،ثم قلت: ولكن لِمَ تشعران بهذا الإحساس في هذه الأيام ولم تكونا كذلك من قبل؟

-         وجاء الجواب من كليهما على التتابع:

-         نحمد الله أن يسَّــر لنا الانتظام في مكتبة المسجد، ومنذ ذلك اليوم بدأنا نحس بقيمة الوقت، بدأنا نشعر أن بحور العلوم أمامنا واسعة متنوعة، ومهما اتسعت أوقاتنا، بل أعمارنا فلن نجاوز من هذه البحور شواطئها، ولن نستطيع أن نغرف من هذه العلوم إلا القليل، والنزر اليسير!

ثم انصرفا مسرعَيْنِ وخلَّياني في ذهول لبعض الوقت .... إلى أن نبهتني دقات الساعة لتعلن السادسة صباحًا...

وبداية يوم حافل بكل خير إن شاء الله.

                            

                عبد الوهاب خيتي  

              الرياض، ربيع الآخر 1412هـ ، الموافق نيسان 1991م


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقويم القمري الهجري وتميز الأمة الإسلامية   لا شك أن أمة الإسلام قد تميزت بهذا الدين العظيم: عقيدة، وعبادات، وأخلاقًا ومعاملات. فكان لابد لها من تقويم يتناسب مع هذه العقائد والعبادات والمعاملات.  فالتقويم القمري اليومي يبدأ عند المسلمين من غروب الشمس، وليس كما هو معمول به الآن في أكثر بقاع العالم؛ حيث يبدأ اليوم الجديد في تمام الساعة الثانية عشرة ليلاً. والتقويم الشهري  يبدأ من بداية دورة القمر الجديدة، وظهورُ الهلال دليل على دخول الشهر.  والتقويم القمري السنوي يبدأ من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأول شهورها شهر الله المحرم. وقد سارت أمتنا على هذا التقويم القمري الهجري منذ عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي لله عنه الذي اعتمده تقويمًالجميع بلدان المسلمين . وإذا عدنا إلى كتب السيرة، والتاريخ والإعلام، والفقه، والحديث، بل كل هذا التراث العظيم الذي امتد إلى أكثر من أربعة عشر قرنًا، لرأينا أن كل ما أُرخ فيها إنما هو بالتاريخ الهجري القمري ولا شيء غير ذلك، لأن هذا التقويم جزء من عقيدتنا، وتراثنا، وحياتنا اليومية. من كتاب: "التقويم القمري والتقويم الش...