التخطي إلى المحتوى الرئيسي

     سلسلة قصصية (3)


أفديك!


"أفديك ! أفديك يا أخي.....أفديك.. والله لم أنتبه لسؤالك!

لا تؤاخذني ... أفديك!"


كلمات التفدية هذه لم أسمعها من حبيب إلى حبيه، ولم أسمعها من عاشق إلى معشوقه، ولم أسمعها من صديق حميم إلى صديقه يعتذر إليه عما بدر منه، لم أقلها -أنا- إلى حبيب شغلتني شواغل صرفتني عن الانتباه إليه وإجابته عما كان يسأل، ويستفسر...

قالها أحد سائقي سيارات الأجرة! نعم سائق سيارة في مواقف السيارات في حي (الشيخ عثمان) في مدينة عدن، العاصمة البحرية لليمن السعيد..

كان ذلك في شهر ربيع الأول من عام 1399هـجرية، الموافق لشهر آذار من عام 1979م.

كنا مجموعة من الشباب خرجنا من مقر إقامتنا في مساكن خاصة بموظفي الدولة، والمدرسين من غير اليمنيين في قطاع خاص من حي (المنصورة ) بعدن؛ متجهين نحو مواقف السيارات في حي الشيخ عثمان المجاور لحي المنصورة، كان علينا أن نقطع أكثر من ميل كامل على طريق ترابي متعرج في أرض فضاء بين الحيين سيرًا على الأقدام وذلك لعدم وجود مواقف لسيارات الأجرة في المنصورة! فالانتقال مشيًا على الأقدام طريقك الوحيد للانتقال إلى أي حي من أحياء عدن المترامية الأطراف، حتى إنهم يسمون كل حي من أحيائها باسم (مدينة) فهنا مدينة: الشيخ عثمان، وهناك مدينة الشعب، ومدينة المعلا، ومدينة التواهي، ومدينة عدن الصغرى أطلق عليها المستعمر البريطاني آنذاك (حي كريتر)؛ وذلك لأنها تكون مفصولة -غالبًا-- عن بقية أحياء المدينة الأخرى انفصالاً شبه كامل لا يربط بينها إلا طريق بحري يحيط به ماء البحر من جانبيه، ويطول هذا الطريق الفاصل إلى عدة أميال أحيانًا.

كنا نقصد حي (التواهي) للاستطلاع، والتفرج، وتفريج هموم الغربة والبعد عن الأهل والأحبة، والأهل والديار... وكانوا يحدثوننا عن حي التواهي حيث ميناء عدن، بل (مدينة التواهي) بأبنيتها الراقية، وحدائقها المنسقة الجميلة وشوارعها النظيفة، كيف لا وقد كانت هي مقر الحاكم البريطاني المستعمر البغيض أثناء فترة الاحتلال!


وصلنا إلى مواقف السيارات، وكانت عبارة عن أرض فضاء واسعة غير منظمة، ولم يكن للسيارات الصغيرة اتجاه محدد معروف ومعلن، أو طريق معين تعرف به، وإنما يتركون ذلك لتوجهات الركاب المتجمعين ورغباتهم، وكان على كل من يريد أن يستقل سيارة أن يسأل السائق عن وجهته حتى لا يفاجأ بعد تمكنه من ركوب السيارة بعد مزاحمة شديدة وعناء كبير أنها في غير الاتجاه الذي يريد.

وقد يتجمع عدد من الركاب المتجهين إلى وجهة واحدة، ويسارعون إلى سيارة قادمة، ويصعدون إليها بمعاناة شديدة من التزاحم وانتظار النازلين منها..... ثم بعد أن يأخذوا مقاعدهم داخل السيارة يطلبون من السائق التوجه بهم إلى الوجهة التي يريدون، وليس له إلا أن يستجيب! والسائق المسكين في هذه اللحظات مشتت الذهن بين ركاب ينزلون .. وآخرون يصعدون، وآخرون يسألون عن وجهته، ومن عاداتهم الغريبة في عدن، بل في اليمن كلها أن الراكب في السيارات الصغيرة والحافلات (الباصات) الكبيرة لا يدفع أجرة ركوبه إلا بعد أن يصل إلى المحطة التي يريد، ينزل.. ثم يبدأ يفتش في جيوبه عن نقوده، وقد ينتظر ليأخذ من السائق ما بقي له عنده... وما على السائق إلا أن يقبل بكل هذه العادات والصور في الركوب والنزول وطريقة أخذ الأجرة من الركاب ،وتعيين وجهة السير ....

وقفنا وانتظرنا... جاءت سيارات وبسرعة فائقة فرغت حمولتها، وصعد إليها خمسة ركاب، ثم انطلقت إلى وجهتها، سيارات كثيرة وصلت وانطلقت ... ونحن نقف مشدوهين من هذه المناظر التي ما عرفناها ولا اعتدنا عليها..

ثم حزمنا أمرنا أن نشارك في هذا السباق العجيب ...ليس لنا إلا أن نسارع إلى الركوب في أول سيارة قادمة دون أن نسأل السائق عن وجهته! ولا ننظر إلى بقية الركاب ... ولا ننتظر النازل من السيارة إلا بالقدر الذي يمكننا من (احتلال) مقعد داخل السيارة ... لأننا إن لم نفعل ذلك فلربما تمر الساعات دون أن نتمكن من الركوب.!

وجاءت سيارة ...وسارعنا جميعنا إلى القبض على أبوب السيارة .. وكان من نصيبي أن أكون إلى جانب السائق، وجلست جلسة المنتصر بعد طول انتظار...لم أسأل السائق عن وجهته  ..فنحن أكثرية ونريد (التواهي) ..

والسائق الحبيب المسكين مشغول بالذين نزلوا من السيارة ..ولم يعطوه أجره بعد..يأخذ من هذا، ويرد إلى هذا (شلنات أو عانات)، وبالمناسبة فإن العملة كانت في عدن وفي اليمن الجنوبي كله في هذه الفترة:الدينار، ويساوي حوا لي ثلاثة دولارات، والدينار يساوي عشرين درهمًا، والاسم الدارج للدرهم هو (الشلن) والتسمية للمستعمر البريطاني الذي كان يستعمر؛ بل (يخرب) الجنوب العربي كله، وظلت التسمية بعد رحيل المحتل، والدرهم يساوي (50عانة)،هكذا اسم الجزء من الدرهم المقابل للقرش عندنا.

السائق مشغول ومنهمك بالنازلين والصاعدين، ومع الجدد الذين احتلوا سيارته، في هذه اللحظات العصيبة يقترب شاب يتطلع إلى أن يكون راكبًا جديدًا، يقترب من السائق يسأله: التواهي؟ التواهي؟ ويتكرر السؤال من الشاب والسائق لايرد؛ فهناك ما يشغله، وفجأة سمعت الشاب يقول وبشيء من الحدة والانفعال والغضب:يا أخي!! يا أخي!! أسألك ما ترد علي! ونادرًا ما كنت أسمع أحدًا يغضب أو يرفع صوته! فيكادون  -معظمهم- لا يتكلمون إلا همسًا! هنا -فقط- انتبه السائق إلى السائل عن يمينه، وقد اقترب من نافذة على يمين السيارة؛ وهذا إرث آخر، ورثه أبناء عدن من المحتل البريطاني؛ حيث إن مقود السيارة والسائق على يمين السيارة..

كيف أسألك وما ترد علي؟! وهنا انتبه السائق إلى الشاب؛ وقد هدأت الأحوال من حوله؛ فبدت عليه أمارات الأسف والتأثر، فبادره يقول: أفديك أفديك! يا أخي والله أنا ما داري عنك، فيرد الشاب بانزعاج: أنا أسألك: التواهي؟ التواهي؟ وأنت ما ترد علي، ويعود السائق إلى التفدية والاعتذار ...أفديك يا أخي والله أنا (ما منتبه لك) .

كنت أتابع الحوار بين السائق المشغول وبين الشاب الغاضب وأنا أكاد لا أصدق أن يقابل السائق غضب الشاب بهذا الاعتذار الأخوي الإنساني الرائع! سائق يفدي شابًّا غاضبًا منه لعدم رده عليه! وعهدي بكثير من أمثال هذا السائق في بلاد أخرى على غير هذه الصورة ..

نعم في هذه اللحظات التي كنت أتابع فيها هذا الحوار كانت -والله- دمعات غزيرات تتفجر من عينيَّ  وتسيل على خديَّ حين قفزت إلى ذاكرتي صورة ذلك السائق الذي أوقف حافلته (باص الركاب الكبير) ونزل منه يطارد أحد المارّة في الطريق العام المزدحم أصدر إشارة بيده تعبيرًا عن ضيقه وتبرمه من الصوت الفظيع الذي أصدره سائق (الباص) ؟!

وتفصيل ذلك أنني كنت راكبًا في هذه الحافلة، وأنا شاهد على هذا الموقف كما كنت شاهدًا على ذلك السائق في عدن.

كنا في طريقنا من الغوطة الشرقية إلى دمشق، ووصلت الحافلة إلى الأماكن الشعبية المزدحمة في المدينة، طريق متعطف شديد الزحام في هذه المنطقة بخاصة، على جانبي الطريق محلات تجارية وأسواق ومخابز، وتفرعات تصب باتجاه هذا الطريق المزدحم! وقبل أن يصل سائق الحافلة إلى منطقة (العمارة) أرخى، بل شدَّ حبل " البوري" إلى آخره ؛ فكان صوتًا شديد الارتفاع والإزعاج لكل المارّة، هو يريد من الناس أجمعين أن يفروا من أمامه، ويتركوا الطريق فارغًا له ولسيارته، ودون أن يضطر إلى التمهل والتخفيف من سرعة سيارته، والطريق ليس عريضًا لا يتسع لأكثر من سيارتين، والمنظر المألوف في هذه المنطقة أن ينتقل الناس من طرف إلى الطرف الآخر؛ مما يقتضي من كل أحد أن يكون شديد الحذر والانتباه، وأن تتمهل السيارات في سيرها وتخفف من سرعتها وبخاصة في هذه المناطق التي تبدأ من (العمارة) إلى (المناخلية) إلى (سوق الهال) إلى (السوق العتيق)، وأخيرا إلى المحطة النهائية في (ساحة المرجة).

نعود إلى تصوير الموقف: سيارة أخينا السائق تندفع مسرعة وسط هذا الزحام، يرافقها هدير شديد الإزعاج لصوت "الزمور" يكاد يصم الآذان .... ويبدو أن أحد المارَّة أبدى انزعاجه بإشارة من كلتا يديه يرفعهما إلى الأعلى ويحركهما حركة توحي بطلب التمهل والانزعاج، وسرعان ما انتبه السائق إلى هذا "المتحدِّي" الذي لم يسارع بالابتعاد، بل عبر عن انزعاجه بإشارة يديه المعبرتين عن الضيق والانزعاج، فماذا كان رد سائقنا الهمام ؟!

هل تصدقون أيها الإخوة؟ هل يستطيع أحد أن يتصور ما ذا فعل ؟!

بدأ سائقنا الهائج وهو على مقعده بإرسال سيل من السباب والشتائم المقذعة لذلك المار، ثم وبحركة مفاجئة هزَّت الركاب جميعًا، أوقف سيارته، وفتح الباب الأمامي وهو يرغي ويزبد ..ويسب ويشتم، ويهدد ويتوعد، ونزل من السيارة يريد أن يلحق بذلك المتحدي، الذي رأى وقوف (الباص) المفاجئ، ونزول سائقها! فما كان منه إلا أن " شمَّع الخيط" كما يقولون، وأعطى ساقيه للريح يهرب مما توقعه من هذا السائق الغاضب الذي لم يثنه هروب المتحدي المسكين عن الاستمرار في المطاردة، والعودة إلى سيارته وركابه، بل حاول اللحاق به وسط جموع متزاحمة من الناس، ولكل وجهة هو موليها .. حتى غاب ذلك الهارب عن نظر السائق  وما هي إلا لحظات حتى عاد إلى مقعده وهو يرغي ويزبد، و يسمع الركاب سيلاً من الكلمات البذيئة موجهة إلى ذلك المتحدي الهارب!

والله يا إخوة من السامعين والقارئين لهذا الكلام لا أبالغ في هذا النقل الحي الصادق الحقيقي والواقعي لما حدث ....

طافت هذه الذكريات بخيالي في ثوان، وأنا أسمع سائقنا في عدن وهو يفدِّي ذلك الراكب المتسائل الغاضب لأن السائق لم يردّ عليه!

كم كانت المفارقة بين الموقفين بعيدة وعجيبة، وكم كان التصرف بين الرجلين مختلفًا!

أفديك يا سائق عدن ... وأكثر الله من أمثالك، ويظهر أن هذا السائق وأمثاله ينطبق عليهم قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم (الحكمة يمانية).

وأنت يا سائق الحافلة في الشام هداك الله إلى الخلق الحسن، واللين مع الناس، والتسامح معهم والرفق بهم، وعفا عنا وعنك .

ولا يظن ظانٌّ أني أمدح هنا وأذم هناك وأعمم، إنما هما صورتان فرديتان كنت شاهدّا عليهما في وقتين بينهما سنوات طويلة؛ فكم في الشام وغيرها من السائقين وغيرهم يسابقون الملائكة في حسن الخلق.

 

عبد الوهاب خيتي

عدن، 1399هـ - آذار 1979 م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

                                                    سلسلة قصصية (1)                                                الوقت والفراغ في حوار أبوي * عن السلسلة: هذه مجموعة قصص قصيرة كتبتها منذ وقت طويل، في أوقات متباعدة، وفي ظروف مختلفة، وفي بلدان ومدن متعددة، ولم أنشر إلا إحداها، والمعنونة بـ "من أرض البرتقال الحزين إلى البوسنة والهرسك"[وهي القصة الثانية]، واليوم أنشرها مع مجموعة أخرى، والذي يجمع بينها جميعها أنها كانت تعبيرًا عن مشاعر وأحاسيس ملأت عليَّ نفسي وقلبي ومشاعري في تلك اللحظات؛ فكانت تلك القصص، ولم أكن في يوم من الأيام أتصور أن أكتب القصص القصيرة ولا الطويلة.                           ********************************************           ...
      سلسلة قصصية (2)                                      من أرض البرتقال الحزين* إلى البوسنة والهرسك في قاعة الدرس، وفي فصل من فصول المرحلة المتوسطة، وفي ثانوية من ثانويات الغوطة المحيطة بمدينة دمشق الشام، كان الجو متوترًا، أحداق الطلاب مشدودة إلى المدرس الذي يقف أمامهم، يقرأ لهم صفحة من صفحات إجرام يهود بحق الشعب العربي المسلم في فلسطين؛ هي مجموعة قصص جمعها مؤلفها من عمق المأساة، من ألسنة الثكالى، وأنين الأيامى، من الشيوخ الذين روعتهم المذبحة، وشتتهم الهجمة الصهيونية على الشعب الآمن في فلسطين. قصص تحكي المأساة: الذبح، والإجرام، الترويع والتخويف، القتل والتشريد والإبعاد .. كان أسلوب الكاتب صادقًا مؤثرًا، تعمَّقت المأساة في نفسه؛ فكتب حروفها بالدموع وبالدماء.. وعندما كان المدرس ينقلها إلى طلابه الفتية في حصة المطالعة، كان يعكس عليها هو الآخر المرارة والألم، ويضفي على كلماتها مشاهد المأساة مجسَّمَة؛ بحركاته، بصوته المتهدج، بنظرات عينيه الحانقة حينًا، والمنكسرة حينًا آخر....