سلسلة قصصية (2)
من أرض البرتقال الحزين* إلى البوسنة والهرسك
قصص تحكي المأساة: الذبح، والإجرام،
الترويع والتخويف، القتل والتشريد والإبعاد ..
كان أسلوب الكاتب صادقًا مؤثرًا، تعمَّقت
المأساة في نفسه؛ فكتب حروفها بالدموع وبالدماء..
وعندما كان المدرس ينقلها إلى طلابه
الفتية في حصة المطالعة، كان يعكس عليها هو الآخر المرارة والألم، ويضفي على
كلماتها مشاهد المأساة مجسَّمَة؛ بحركاته، بصوته المتهدج، بنظرات عينيه الحانقة
حينًا، والمنكسرة حينًا آخر.
كان عنوان القصة المقررة في ذلك
اليوم (دير ياسين)، ويكفي أن تنطق بهذا الاسم، أو تسمعه لتتصور مذبحة من أبشع
المذابح الإجرامية الجماعية في تاريخ البشرية القديم والحديث .
بدأ المدرس – كعادته – بالتمهيد
للقصة، مصورًا الفاجعة الأليمة :هكذا كانت كلماته تطرق أسماع طلابه :""
دير ياسين ...قرية من قرى فلسطين، تقع قريبة من مدينة " القدس "، يشتغل أكثر رجالها
بنّائين في مدينة القدس ،ينتقلون إليها بسيارات كبيرة عامة، ولا يبقى في المدينة
إلا النساء والشيوخ والأطفال ." ....
وفي يوم من أيام شهر نيسان عام (1948) وقعت المذبحة الفظيعة في
أهل هذه القرية الآمنة " واستمر المدرس يحكي لهم تفاصيل المأساة، وهو يمسك
كتاب المطالعة بيمناه، وتتدافع الكلمات من فمه، تتراوح نبرات صوته..؛ فبينما هي
هادئة حزينة، فإذا هي ترتفع فتصبح غاضبة
مزمجرة ناقمة، ويلف الفصل الدراسي جو مأساة كئيب؛ فالمأساة دامية، يتابع
المدرس... ولم ينج من القرية -حسب إحصاء الكتاب- إلا واحدًا، نجا بقدر الله عز وجل؛
ليكون الشاهد الوحيد من أهل دير ياسين على المذبحة الرهيبة، وينظر المدرس إلى وجوه
طلابه بعد أن نقل لهم إحصائية القتلى من شيوخ القرية، ومن نسائها وأطفالها ...إنهم
" 251 " مئتان وواحد وخمسون قتيلاً شهيدًا بإذن الله.
ويا لهول المفاجأة!!؟ عيون الطلاب
أكثرها دامعة، والحزن يلف الجميع، لا همس ولا كلام، ولا لفتات، وتخيم لحظات من
الصمت الرعيب الرهيب الحزين، راعَ المدرسَ حالُ طلابه، وأدرك أنه ارتكب إثمًا في
حق هؤلاء الفتيان، أدرك أنه ألقى على مسامعهم كل ما حمله الكتاب من أحزان وفجائع!!
وزاد عليها من ذوب نفسه وعصارة ألمه، أدرك أنه لم يقل لهم الحقيقة كاملة، لم يكذب
عليهم بكلمة واحدة، وكذلك الكتاب لم يكذب، ولم يبالغ، ولكن أين الجانب الآخر من
هذه القصة؟ جانب البطولات التي ظهرت في ذلك اليوم المشهود؟ يوم دير ياسين؟ صحيح أن
عصابا ت يهود قد قتلت وأجرمت وفظَّعت، ولكن ماذا كان من أمر إخواننا المسلمين من
عرب فلسطين الأبطال؟ هل كانوا مستسلمين؟ هل مدوا رقابهم للذبح واستكانوا؟
القصة في الكتاب لم تشر إلى شيء من
هذا!! مأساة ومذبحة وقتلى بالمئات!
وفي هذه اللحظة تذكَّر المدرس ما
كان قرأه قبل أيام - وهو يحضِّر لهذا الدرس في أحد الكتب التي تروي بطولات أبناء
شعبنا المسلم في فلسطين- كان الوصف لأحداث
(دير ياسين) يتناول الموضوع من زاوية أخرى، زاوية المقاومة الفلسطينية، و كيف
استقبل أبناء دير ياسين الذين بقوا في البلدة ذلك اليوم، كيف استقبلوا عصابات
الإجرام، وعندما علموا بما بيَّته لهم الصهاينة
- وقد تعودوا منهم الغدر – سارعوا إلى اتخاذ مواقع دفاعية للتصدي لهم، كانت
المعركة غير متكافئة ،عصابات القتلة من شذاذ الآفاق، يدعمهم الإنجليز والصليبية
العالمية؛ بكل الحقد وبالأسلحة الفتاكة، يقابلهم ما تبقى في البلدة من شباب القرية،
ومن شيوخها ونسائها وأطفالها، سلاحهم
الإيمان بالله أولاً، والإصرار على الدفاع عن دينهم وأرضهم، دارت المعركة من شارع
إلى شارع، ومن حارة إلى حارة، ومن بيت إلى بيت، واستبسل الفلسطينيون وقتلوا من
شراذم يهود (49) تسعة وأربعين مجرمًا منهم.
ماجت هذه المعلومات في ذهن المدرس..
وسرعان ما رمى الكتاب من يده بعيدًا عنه، وقال بصوت يحمل كل معاني القوة
والإصرار...ولكن يا أبنائي! أبشركم بأن لهذه القصة، صورة أخرى لم يعرض لها كتابكم
المقرر، إنها صورة البطولة والشجاعة، صورة التضحية والفداء.
وبدأ يروي لهم الجانب الآخر من
القصة: لقد قتل أبناء دير ياسين من الصهاينة المهاجمين (49) تسعة وأربعين مجرمًا!
هل قتل هذا العدد من المهاجمين وأهل دير ياسين متجمعون في ساحة القرية؟ راكعون
مستسلمون، يرفعون أيديهم كما أمرهم يهود، وهل قتل هذا العدد من يهود والفلسطينيون
خائفون مستسلمون كما صورهم الكتاب المقرر؟!
كان المدر س يراقب طلابه، وهو يروي
لهم هذا الجانب الآخر من القصة، قصة البطولة والتحدي والمقاومة والتضحية رغم قلة عَددهم
وعُددهم ...وإذا به - ويا لفرحته- يرى وجوه طلابه قد أشرقت، وغلت الدماء فيها، ونظرات
الإعجاب والفرحة والإكبار والتحدي في عيونهم، ولم يخل الموقف من تعليقات خافتة
حينًا، وصارمة أحيانًا، تستحسن وتحيي الأبطال والشهداء، ولم يجد المدرس بدًّا من
التعليق على القصة بقوله: "ربما كان للمؤلف عذر في عرض الجانب المأساوي
الحزين من القصة ليستدِرَّ عطف مَن هو خارج بلادنا، على ما أصابنا من غدر يهود
وإجرامهم، وخاصة أن هذا الهجوم جاء بعد أسبوعين من توقيع معاهدة سلام طلبها رؤساء
المستوطنات الصهيونية المجاورة دون أن
يشير إلى ما كان من أمر البطولات والمقاومة والدفاع المستميت الذي أظهره كثير من أبطال
فلسطين في كثير من مناطق أرضنا المقدسة في فلسطين، دون أن يشير إلى البطولات
والانتصارات التي ضاعت في خضم ذلك الإعلام المأساوي الحزين لنكبة فلسطين.
********************************************
شريط الذكريات هذا عرض عليَّ بعد ما
يزيد على عشرين سنة وأنا أسمع واتابع ما يجري لإخواننا المسلمين في البوسنة
والهرسك، وما ذا ينقل لنا إعلامنا عما يجري هناك؟! ومن أين يستقي أخباره، وماذا
يريد هذا الإعلام من الملايين العربية المسلمة التي ينقل إليها هذه الأنباء؟ إن ما
يعرض من أخبار البوسنة والهرسك، لأمر يفتت الكبد، ويدمي القلب، ويفجر ينابيع الحزن،
كثيرًا ما تختنق العبرات في العيون، وإني لأتصور مئات الملايين من المسلمين في
أنحاء الأرض كلها: رجالاً ونساءً، صغارًا وكبارًا، معلمين وطلابًا، أطباء وفلاحين،
شيوخًا وشبابًا، مدنيين وعسكريين، كلهم يستمعون إلى مآسي البوسنة والهرسك، وبعضهم
يتابعون مشاهد القتل والتدمير، القتلى والجرحى، المآذن المدمرة، والبيوت المهجورة،
والحرائق المشتعلة، صور الهاربين من الجحيم يلاحقهم كلاب الصرب ...مشاهد تفتت
الصخر وتنهدُّ له الجبال هدًّا..!!
ماذا يمكن أن تفعل الملايين المسلمة
أن تفعل لنجدة إخوانهم هناك؟!
لا شيء إلا الحسرة والحزن، وربما
أتيحت له الفرصة للتبرع بشيء من المال تدور شائعات تكاد تكون موثوقة في أن هذه التبرعات
لا تصل إلى مستحقيها، وإن وصلت فتحت مظلة الصليب!!.
ماذا تفعل الأمة الإسلامية كلها:
حكومات وشعوبًا، مدنيين وعسكريين، قادة ورعية؟؟ ماذا تفعل لعضو من جسمها يبتره
الصرب، بل كل نصارى العالم بوحشية لم تعرف لها الإنسانية مثيلاً!
ماذا ينقل لنا إعلامنا العربي من
الساحة هناك؟ وا أسفاه! أين عروبة هذا الإعلام؟ أين إسلاميته؟ أين كرامته؟ أين قصص
البطولة في البوسنة والهرسك؟ أين أخبار المجاهدين المسلمين الذين يتصدون للصرب وجرائمهم، أين شباب محمد صلى الله عليه وسلم يفكون
الحصار عن جزء من سراييفو؟ أين صور المقاتلين المسلمين يحررون (موتسار)؟ أين أخبار
الصمود؟ أين أخبار الجهاد؟
لا ..لا شيء من هذا!! الإعلام
الغربي الماكر لا يريد أن ينقل إلى العالم هذه الصور المشرقة حتى يميتوا في
المسلمين روح الجهاد والقتال، وحتى يقنعوا كل مسلم في البوسنة والهرسك ومن خلفهم
من المسلمين بأن الموت والتشرد والضياع هو المصير المحتوم لهؤلاء .. وحتى يقنعوهم
بأن لا فائدة من مساعدة إخوانهم في البوسنة؛ فيكفوا عن مساعدتهم، وإذا كان الإعلام
الغربي ينطلق في هذا كله من منطلق صليبي حاقد؛ فما عذر إعلامنا العربي المسلم في
هذا كله.
أما آن لهذه الأمة أن
ترمي بهذا الإعلام الفاجر المدمر أن ينطق بالحقيقة كاملة، كما فعل ذلك المدرس الذي
رمى بالكتاب الذي لا يعرض إلا الجانب السلبي الخائف المذعور من الحقيقة؟!
ألم يأن لهذه الأمة أن تفرض على
إعلامها ألا يقول إلا الحقيقة؟
ألم يأن لهذه الأمة أن (تغربل) هذا
السيل الجارف من الأخبار والصور التي تأتي من ذلك الإعلام الغربي الموجه لضرب الأمة
في فكرها وعقيدتها، ولا يعرض على إنساننا المسلم إلا ما يبعث فيهم الأمل والتفاؤل،
والعزة والإقدام، ويسقط من هذا (الغربال) كل أحقاد صرب ويهود ومن والاهم؟.
ثم أخيرًا! ألا من مدرس يرمي بروح
الهزيمة والخوف بعيدًا، نعم سيكون هذا، وكلنا ثقة بالله {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ
عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 51].
عبد الوهاب خيتي
الرياض 1416 هـ - 1995م
نشرت في مجلة المجتمع الكويتية، العدد
(1041).
تعليقات
إرسال تعليق